فتاوى إسلامية - حكم وساوس العقيدة والشك في التلفظ بها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

قسم الفتاوى والمسائل الشرعية

السائل: Farax Iriir

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله. أريد أن أسألكم عن الوساوس المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد ابتُليت منذ فترة بوسواس شديد، وكانت تأتيني كلمات مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم وتتكرر في داخلي بصورة متواصلة، حتى أثّر ذلك على حياتي... وفي إحدى المرات كنت على وشك أن أقولها، ولا أعلم الآن هل قلت نصفها ثم أمسكت باقيها، أم أنني قلتها كاملة بالفعل. والذي يرعبني أكثر أنني لا أتذكر نيتي ولا أستطيع أن أجزم هل كان عندي قصد حقيقي لقول الكلمة، أم أنها خرجت مني بسبب شدة الوسواس. فما حكم ما حدث مني في هذه الحالة؟ وهل يؤثر هذا الشك في الحكم؟ جزاكم الله خيرًا.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وعافاكم.

أختي الكريمة/ أخي الكريم، نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك ويصرف عنك كيد الشيطان ووساوسه. أبشركِ بالخير، فإن ما تعانين منه هو محض وسواس قهري (قهر من الشيطان)، وحزنكِ وخوفكِ الشديد من هذه الأفكار هو دليل قاطع على كمال إيمانكِ وصحته. وإليكِ التفصيل والتأصيل الشرعي على ضوء الكتاب والسنة والمذهب الحنفي المطهر:

١. كراهية هذه الوساوس هي "صريح الإيمان"

لقد عانى بعض سلفنا الصالح من الصحابة الكرام (رضوان الله عليهم) من مثل هذه الوساوس، وجاؤوا إلى النبي ﷺ خائفين يرتعدون، فبشرهم النبي ﷺ بأن هذا الخوف والكراهية هو الإيمان الخالص.

جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»

"قال الإمام النووي (رحمه الله): معناه أن استعظامكم للكلام به هو صريح الإيمان، فإن الاستعظام وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفى عنه الريب والشك."

— (صحيح مسلم، حديث رقم: 132، وشرح النووي على مسلم)

لذا، فخوفكِ من هذه الكلمات ورعبكِ منها دليل على أن قلبكِ عامر بحب الله ورسوله ﷺ، وأن الشيطان لم يجد طريقاً لإفساد قلبكِ فلجأ إلى إزعاجكِ بالوساوس.

٢. الشك في التلفظ، وانتفاء القصد (النية)

هناك قاعدتان فقهيتان عظيمتان في الفقه الإسلامي ترفعان عنكِ كل هذا الحرج والشك:

  • القاعدة الأولى: (الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ)
    يقينكِ أنكِ مسلمة مؤمنة محبة للنبي ﷺ لا يمكن أن يزول بمجرد "شك" هل تلفظتِ بالكلمة أم لا. متى ما وُجد الشك، فالأصل أنكِ لم تتلفظي بشيء، والإسلام باقٍ بيقين.
  • القاعدة الثانية: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)
    الرُّدة والكفر لا تقع إلا بـ "القصد الجازم والنية المتعمدة" وانشراح الصدر بالكفر. الإنسان المبتلى بالوسواس القهري مسلوب الإرادة في هذه المسألة، وتخيلاته أو حتى لو سبق لسانه بكلمة تحت الضغط النفسي القاهر، فإنه لا يكفر أبداً؛ لانتفاء القصد الحقيقي.

٣. فتاوى المذهب الحنفي في زلة اللسان والموسوس

نص أئمة الفقه الحنفي (رحمهم الله) إجماعاً على أن من أجرى على لسانه كلمة الكفر من غير قصد ولا تعمد (كسبق اللسان أو غلبة الوسواس) لا يكفر، ولا يترتب عليه أي حكم شرعي.

وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَكْفُرُ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ... لِأَنَّ الْقَصْدَ شَرْطٌ فِي اعْتِبَارِ الرِّدَّةِ

يقول العلامة ابن عابدين الحنفي (رحمه الله) في "رد المحتار":
"فإن التلفظ بكلمة الكفر إنما يوجب الكفر إذا كان عن قصد واختيار، فمن جرى على لسانه كلمة الكفر خطأ أو سبق لسان (أو غلبة وسواس قاهر) دون أن يقصد معناها، فهو مؤمن عند الله تعالى ولا يؤاخذ بما قال."

— (رد المحتار على الدر المختار "حاشية ابن عابدين": 4/224)

الخلاصة والحكم الشرعي لِما حدث معكِ

أنتِ مسلمة مؤمنة بإجماع الأمة، ولم يقع منكِ أي كفر، ولا تؤاخذين على هذا الشك مطلقاً. حتى لو افترضنا (جدلاً) أنكِ تلفظتِ بالكلمة فعلاً تحت ضغط الوسواس المتواصل ومحاولتكِ دفعه، فإنه يعتبر بمثابة "المُكره" أو "المغلوب على عقله"، وقد رفع الله القلم عن ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.

العلاج الشرعي والوصية لكِ

١. التجاهل التام: لا تحاولي أن تتذكري أبداً هل قلتِها أم لم تقوليها، وهل نويتِ أم لم تنوي. مجرد محاولة التذكر هي فخ من الشيطان ليزيد حزنكِ.

٢. الاستعاذة وقطع الفكرة: متى ما جاءكِ الوسواس قولي في نفسك: "آمنت بالله ورسله"، واستعيذي بالله من الشيطان، وانصرفي للقيام بأي عمل يلهيكِ عنه.

٣. اعلمي أن الله أرحم بكِ من نفسك، وأنه سبحانه يعلم ما في قلبكِ من حب لرسوله ﷺ، فلا تحزني ولا تبتئسي، واطوي هذه الصفحة تماماً.

والله تعالى أعلى وأعلم.